أبي نعيم الأصبهاني
247
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
إدلالا منك بفهمك ، واقتدارا منك برأيك ، فأين تذهب عن قول اللّه عز وجل : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ الآية . اعلم إن أدنى ما ارتكبت ، وأعظم ما احتقبت ، أن أنست الظالم وسهلت له طريق الغى بدنوك ؛ حين أدنيت ، واجابتك حين دعيت ، فما أخلقك أن تبوء باسمك غدا مع الجرمة ، وأن تسأل عما أردت باغضائك عن ظلم الظلمة ، إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك ، ودنوت ممن لا يردّ على أحد حقا ولا ترك باطلا حين أدناك ، وأجبت من أراد التدليس بدعائه إياك حين دعاك ، جعلوك قطبا تدور رحى باطلهم عليك ، وجسرا يعبرون بك إلى بلائهم ، وسلما إلى ضلالتهم « 1 » وداعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم . يدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ، فلم تبلغ أخص وزرائهم ، ولا أقوى أعوانهم لهم ، إلا دون ما بلغت من اصلاح فسادهم ، واختلاف الخاصة والعامة إليهم ، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك ، وما أقل ما أعطوك في كثير ما أخذوا منك . فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك ، وحاسبها حساب رجل مسؤول . وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا ، وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في الناس بخيلا « 2 » وكيف صيانتك « 3 » لكسوة من جعلك لكسوته ستيرا « 4 » ، وكيف قربك وبعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا . مالك لا تنتبه من نعستك ؟ « 5 » ، وتستقيل من عثرتك ، فتقول واللّه ما قمت للّه مقاما واحدا أحي له فيه دينا ، ولا أميت له فيه باطلا ، انما شكرك لمن استحملك كتابه ، واستودعك علمه . ما يؤمنك أن تكون من الذين قال اللّه تعالى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى الآية . إنك لست في دار مقام ؟ قد أوذنت بالرحيل ! ما بقاء المرء بعد أقرانه . طوبى لمن كان مع الدنيا على وجل ! يا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده . إنك لم تؤمر بالنظر لوارثك على
--> ( 1 ) في الأصلين : علالتهم . ( 2 ) في ج : قليلا . ( 3 ) في مغ : صبابتك . ( 4 ) وفيها : سترا . ( 5 ) في الأصلين : من نفسك .